كثرة المشتّتات وتزاحم الأعمال لا يجلبان للعقل إلّا التفرّق والتيه، ولا يثمران إلّا ضياع الجهد دون حصاد يُذكر. فالمرء حين يزجّ بنفسه في هذا وذاك، ويُكثر من المهام المعلّقة، يرهق ذهنه بلا طائل. ثم إذا عجز عن إنجاز بعضها أو أخّرها يومًا، لم يظفر سوى بلوم نفسه وجَلدها. وهنا تتجلّى حكمة النبي ﷺ إذ قال: «قليلٌ دائمٌ خيرٌ من كثيرٍ منقطع». فالقليل المستمرّ تُرى بركته، وتُلمس ثمرته، أما الكثير المبعثر فيتبدّد مع الأيام كسراب لا يُمسَك. وهذه قاعدة راسخة لا تقتصر على العبادة وحدها، بل تشمل كل دروب الحياة: في طلب العلم، وفي السعي للرزق، وفي اكتساب المهارات، وفي بناء النفس. العبرة ليست بالوفرة التي تُثقِل ولا تدوم، وإنما بالخطوات القليلة الثابتة التي تُثمر وتبقى، فهي التي تصنع النجاح وتورث السكينة وتفتح أبواب البركة.